الشيخ حسن الكركي

25

عمدة المقال في كفر أهل الضلال

وبصلابة لا تعرف الخنوع ، بعيدين عن الدنيا وزخارفها ، تاركين أبناء الدنيا ، يتصارعون على حطامها ، وكانوا على منهاج أئمّتهم علي وأبنائه عليهم السلام . ومن الشواهد على ما ندّعيه ما ذكره الرجاليون في أحوال محمّد بن أبيعمير - الراوي المشهور - / أنّه حبس في أيّام الرشيد ، فقيل : ليلي القضاء ، وقيل : إنّه ولي بعد ذلك ، وقيل : بل ليدلّ على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر عليهما السلام ، وروي أنّه ضرب أسواطاً بلغت منه ، فكاد أن يقرّ لعظيم الألم ، فسمع محمّد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول : اتّق اللَّه يا محمّد بن أبيعمير ، فصبر ففرّج اللَّه . وروي أنّه حبسه المأمون حتّى ولّاه قضاء بعض البلاد « 1 » . وفي رواية الفضل بن شاذان : سعي بمحمّد بن أبيعمير - / واسم أبيعمير زياد - / إلى السلطان أنّه يعرف أسامي عامّة الشيعة بالعراق ، فأمر السلطان أن يسمّيهم ، فامتنع وعلّق بين القفازين - / العقارين - / وضرب مائة سوط ، قال الفضل : فسمعت ابن أبيعمير يقول : لمّا ضربت فبلغ الضرب مائة سوط أبلغ الضرب الألم إليّ ، فكدت أن اسمّي ، فسمعت نداء محمّد بن يونس بن عبد الرحمن يقول : يا محمّد بن أبيعمير اذكر موقفك بين يدي اللَّه ، فتقوّيت بقوله ، فصبرت ولم أخبر والحمد للَّه ، قال الفضل : فاضرّ به في هذا الشأن أكثر من مائة ألف درهم « 2 » . وهكذا كانوا يتوارثون العزّة والكرامة والاباء حتّى حفظوا تعاليم أهل البيت عليهم السلام وصانوها ، وقد جعلوا من أنفسهم درعاً حصينة لحمايتها ، الأمر الذي جعل للشيعة خطّاً فكرياً مميّزاً في شتّى المعارف الدينية ، ومنهلها في ذلك الثقلان

--> ( 1 ) معجم رجال الحديث 15 : 291 الطبعة الخامسة . ( 2 ) نفس المصدر ص 294 .